الصفحة الرئيسيّة
      ابحث   بحث متقدّم
  עברית   |   English
 
مراجعات الجمهور
ردود فعل واقتراحات
الصفحة الرئيسية  أرشيف  خطابات  2007  تشرين الثاني  كلمة رئيس الوزراء خلال مراسم إحياء ذكرى رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون
كلمة رئيس الوزراء خلال مراسم إحياء ذكرى رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون

18/11/2007
تمّ التصوير من قبل الديوان الحكوميّ للصحافة
الى الصورة المكبّرة

أيها فخامة رئيس الدولة ،
أيتها سعادة رئيسة ليبيريا الدكتورة إيلن سيرليف ،
أيها أفراد عائلة بن غوريون ،
أيها سيادة القائم بأعمال رئيسة الكنيست النائب دافيد طال ،
أيها ممثل المحكمة العليا الرئيس السابق لها السيد مئير شمغار المحترم ،
أيها أعضاء الحكومة ونواب الكنيست ،
أيها السيد رئيس الأركان وكبار ضباط جيش الدفاع ،
أيها السيد مفتش الشرطة العام وكبار ضباط الشرطة ،

أيها الحضور الكرام ،

لقد درجت العادة منذ أربعة وثلاثين عاماً عند حلول الخريف في هذا الموعد أن يتوجه رؤساء دولة إسرائيل وقياداتها جنوباً إلى ضريح المهندس المعماري لمشروع قيام الدولة ألا وهو المرحوم دافيد بن غوريون ، ذلك الضريح الواقع في صخرة تطلّ على المنظر القديم لوادي صين حيث اختار "أعظم حَمَلة شعلة جيله" (وفق التعريف الجميل والصائب للشاعر ناتان ألترمان) أن يوارَى الثرى.

هنا ، قبالة الفضاء الصحراوي الخلاب والممتدّ ، طلب بن غوريون رفع لوائه الأخير الذي كُتبت عليه الدعوة "هيَّا بنا إلى النقب!" ، حيث نقف جميعاً ، كل الذين تعاقبوه منذ ذلك الحين ، عاماً تلو الآخر ، في هذا المكان أمام شاهد ضريحه ووصيته الآنفة ونشعر بالخزي والعار إذ ما عظُمت الرؤيا وما قلّ العمل الذي يقابلها.

ما أندر الحالات في تأريخ الأمم والشعوب حيث يتطابق الرجل المناسب مع الوقت المناسب تطابقاً دقيقاً ورائعاً هكذا. إن في هذه التقاطعات حيث يقابل الزعيم الكفء اللحظة التأريخية السانحة والملتوية في آن ، يعرف الزعيم كيف يمسك بشدة بتلابيب التأريخ ويحوّله عن مساره.

لقد كان دافيد بن غوريون مبعوثاً عن التأريخ اليهودي إلى مفترق الطرق المصيري الذي مرّ به شعبنا في فترة ما بين المحرقة والنهضة الوطنية. ويبدو أن العناية الإلهية هي التي استدعته وانتدبته إلى هذه المهمة.

لا يتّسع المجال هنا لإفراد المساحة اللائقة بأعمال بن غوريون العظيمة بصفته زعيماً تولى قيادة وصياغة نهضة الشعب اليهودي في بلاده ثم خوض حرب الاستقلال وإنشاء جيش الدفاع وجمع الشتات اليهودي ووضع أسس الدولة ومؤسساتها. وبالتالي سأكتفي بالإشارة إلى معلَمَيْن بارزَيْن أو بالأحرى نقطتَي حَسْم مصيريتَيْن لَمَا كانت دولة إسرائيل ستؤول إلى ما آلت إليه لا بل من المشكوك فيه ما إذا كانت ستقوم بغيابهما.

إذ التأم عدد من أعضاء "إدارة الشعب" – التي كانت الحكومة في مهدها آنذاك – يوم ال-12 من شهر مايو أيار من عام 1948 أي قبل انتهاء فترة الانتداب البريطاني بيومين ، للمناقشة واتخاذ القرار حول الإعلان عن قيام الدولة من عدمه.

وفي الخلفية ثار اليقين حول قيام جيوش العدو الخمسة باجتياح أراضي الدولة إذا ما أُعلن عنها بهدف إغراقها بالدماء..
وفي الخلفية أيضاً كانت ذكرى المحرقة النازية التي وقعت قبل ثلاث سنوات لا أكثر وبالتالي خطر ضياع آخر برّ أمان للشعب اليهودي..
وفي الخلفية تأرجحت كفّة مصير كل ما تم بناؤه وإنشاؤه بشقّ الأنفس وبذل العرق والدماء خلال خمسة عقود من المشروع الصهيوني في أرض إسرائيل..
وفي الخلفية كان التحذير الشديد المغزى الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي آنذاك الجنرال جورج مارشال أمام رئيس الدائرة السياسية للوكالة اليهودية موشيه شاريت قائلاً إن الدولة اليهودية ، إنْ تم الإعلان عنها ، لن تصمد هجوم الجيوش العربية النظامية من كل حدب وصوب..
وفي الخلفية كان تقدير ممثل هيئة الأركان العامة رئيس  هيئة العمليات يغائيل يادين بأن فرصة النجاح في الحرب تعادل خمسين بالمئة إلا أن العدو يتمتع بكثير من المزايا..
وفي الخلفية ، وبالتزامن مع جلسة القيادة الصهيونية ذاتها ، تردَّد صراخ الفزعة من منطقة غوش عتصيون [جنوبي أورشليم القدس] التي تعرضت للهجوم والحصار ثم احتلها العدو بعد اشتباكات دامية..

وكان بن غوريون يعلم بأن فكرة إعلان الدولة لا تتمتع بالضرورة بدعم غالبية أعضاء إدارة الشعب غير أنه وطّن عزمه على عدم تفويت هذه اللحظة التأريخية مهما كانت المخاطر. إنه مارس على زملائه نفوذه وضغوطه ولجأ إلى المناورات متجاهلاً طرحاً توفيقياً ينص على إعلان قيام حكومة يهودية وليس دولة لينال في نهاية المطاف مبتغاه بفارق صوت واحد ليس إلا.

وقد أُعلن رسمياً بعد مضي يومين على قيام دولة إسرائيل ثم غَزَتها خمسة جيوش عربية نظامية مجهَّزة بالأسلحة الثقيلة إلا أن إسرائيل ، تلك الدولة الفتيّة بقيادة دافيد بن غوريون ، قد أظهرت الصمود والتضحية والبطولة الفائقة لتحسم لصالحها هذه المعركة.

أما القرار المصيري الآخر الذي صنعه بن غوريون فتناول قضية أورشليم القدس. لقد منح بن غوريون خلال حرب الاستقلال الأولوية القصوى لضمان التواصل مع الجزء اليهودي من أورشليم القدس وإدراجه ضمن حدود دولة إسرائيل بخلاف قرار [التقسيم] للأمم المتحدة. وكان قراره بشأن القيام بحملة عسكرية معقَّدة وخطيرة لشق الطريق إلى أورشليم القدس وتعريض بعض المناطق الأخرى للخطر عقب حشد القوات الكبيرة لغرض إنجاح الحملة المنوَّه بها – حلقة من سلسلة القرارات التي حسمت مصير أورشليم القدس.
ولدى محاولة الأمم المتحدة مرة أخرى في شهر ديسمبر كانون الأول 1949  انتزاع السيادة الإسرائيلية على الجزء اليهودي من أورشليم القدس من خلال اعتماد قرار جديد يقضي بتدويل المدينة ، قرر بن غوريون مواجهة العالم أجمع وتجاوز المعارضة الداخلية ليمرّر قراراً في مجلس الوزراء والكنيست يعتبر أورشليم القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل.
وقد صرح بن غوريون في تلك المناسبة ما يلي: "إن أورشليم القدس اليهودية لهي جزء عضوي لا يتجزأ عن تأريخ الشعب اليهودي ومعتقداته ووجدانه ، إن أورشليم القدس تقف في صميم دولة إسرائيل.. إن الإسرائيليين سيضحون بأرواحهم من أجل أورشليم القدس بما لا يقل عن استعداد الإنكليز للتضحية من أجل لندن والروس من أجل موسكو والأميركيين من أجل واشنطن".
وكانت ردود الفعل الدولية على القرار الإسرائيلي ساخطة واشتملت على التهديدات والمقاطعة إلا أن أورشليم القدس بصفتها عاصمة الدولة صارت حقيقة جازمة غير قابلة للتشكيك وهكذا ستظلّ إلى أبد الأبدين.

إن هذين القرارين يُعتبران جزءاً من مجموعة القرارات التأريخية التي صنعها بن غوريون والمنقوشة بحروف من ذهب في تأريخ الشعب اليهودي.

كان دافيد بن غوريون قد تحدث قبل خمسة وخمسين عاماً عن الواجب الملقى على عاتق أي رئيس  وزراء إسرائيلي باستنفاد فرص السلام أياً كانت إلى جانب صيانة الأمن حيث قال:
"كنت أظنّ هذا الأمر بمثابة خطأ فادح لا يطال جيلنا الحالي بل الأجيال المقبلة أيضاً لو لم نعمل كل في وسعنا من أجل التوصل إلى تفاهمات مع جيراننا العرب ولو كان بمقدور أبناء الأجيال القادمة أن يتهموا حكومة إسرائيل بأنها أهدرت أي فرصة لصنع السلام.. لَما كان بودّي أن أكون ذلك الرجل الذي يرميه أحفادنا لا بل أحفاد أحفادنا بتهمة إضاعة أي فرصة للسلام اليهودي العربي.. غير أننا ، وإلى جانب ضرورة تحيّن أي فرصة واردة للسلام وإعداد العدّة النفسية له ، ملزَمون أيضاً بأن نكون دوماً على أهبة الاستعداد للحرب حيث أن هذا الأمر قد يكون مصيرياً..".

في بعض الأحيان ، في ساعات الليل الخالية من الارتباطات الرسمية لمَن يتولى رئاسة الوزراء ، في هذه الفترة المميَّزة تنتابه الأفكار المؤرّقة ليسائل نفسه ماذا يصنع وكيف يتصرف ويتخذ القرارات.

إنني أسمح لنفسي ، رغم البُعد الزمني وتغيّر الظروف ، بأن أفكر في شعور دافيد بن غوريون بالوحدة في تلك الأيام والساعات التي استوجبت البتّ في الأمور رغم ثقل التأريخ وضد نصائح أعزّ أصدقائه وأحسن مستشاريه حيث لم يكن أحد إلى جانبه سوى ضميره وإحساسه بالمسؤولية وربّه.

وبالتالي ينبغي لنا عند وقوفنا اليوم أمام ضريح دافيد بن غوريون وعقيلته الوفية بولا أن نثمن عالياً ونعيد إلى الأذهان ونعترف بالجميل لهذا الرجل الذي كان أعظم قائد لدولة إسرائيل.

طيّب الله ذكرى دافيد وبولا بن غوريون.

للطبع أرسل الى صديق
  ملفات للتنزيل
   كلمة رئيس الوزراء خلال مراسم إحياء ذكرى رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون
 
شارع كابلان 3 مجمع الدوائر الحكومية القدس 91950
جميع الحقوق محفوظة © 2012 دولة اسرائيل