| رئيس الحكومة |
|
| | | حكومة اسرائيل |
|
| | | سكرتارية الحكومة |
|
| | | مكتب رئيس الحكومة |
|
| | | تأريخ |
|
| | | اتّصالات |
|
| | | مراجعات الجمهور |
|
| | | أرشيف |
|
| |  |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
 |
كلمة رئيس الوزراء أمام المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تمّ التصوير من قبل الديوان الحكوميّ للصحافة |
|
|
|
|
|
|
رئيس جامعة تل أبيب ، رئيس معهد دراسات الأمن القومي ، أيها المؤتمرون والضيوف الكرام ، سيداتي وسادتي ،
يسرّني أن أشارك هذا العام في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي الذي يكرس مباحثاته هذه المرة لموضوع "الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط وسط الظروف المتغيرة". ومن الظروف المتغيرة المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الفترة هي حقيقة مباشرة إدارة جديدة في واشنطن ولايتها قريباً ثم بعد ذلك بفترة وجيزة قيام حكومة جديدة في أورشليم القدس.
على كل ، فإن الحقائق الأساسية لواقع الأمور في الشرق الأوسط ليست مرشَّحة للتغيير قريباً ، وبالتالي فإن المسألة المطروحة على بساط البحث تدور حول السياسة التي ستتبناها الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية ومدى التنسيق بين الإدارتين إزاء الواقع الشرق أوسطي المعقد والعمليات السياسية والتهديد الإيراني.
كان الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما قد أدلى بتصريح قبل عدة أيام في سياق مقابلة متلفزة قائلاً إنه يجب بذل الجهود لثني إيران عن تطوير القدرة النووية العسكرية. وقال أوباما إن امتلاك إيران قدرة كهذه لهو أمر غير مقبول شأنه شأن دعم طهران للتنظيمات الإرهابية مثل حزب الله وحماس وتهديداتها بالقضاء على إسرائيل. إننا نعتبر أن الموقف الإستراتيجي هذا الصادر عن الرئيس الأميركي المنتخب يتماهى مع الأهداف التي وضعتها إسرائيل نصب عينيْها ولم يبق أمامنا إلا رؤية كيفية دفع هذه الأهداف قدماً بالتعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وكذلك بصورة مستقلة إذا ما لزم الأمر.
إن نظام الملالي [الإيراني] ، الذي يرئسه رئيس معادٍ لليهود ينكر حقيقة وقوع محرقة اليهود (الهولوكوست) ، يتطلع إلى الهيمنة الإقليمية وتكريس مكانته العظمى في المنطقة. أما دعمه للإرهاب وسعيه لإنتاج السلاح النووي وتطوير الصواريخ البعيدة المدى ومعارضة أي مبادرة سلمية وتأجيج النزاع العربي الإسرائيلي والإخلال بالاستقرار الإقليمي من خلال إذكاء نار التشدد الديني – ما هي جميعاً إلا وسائل لتحقيق هذا الهدف الذي يقوم على هوس العظمة من جانب هذا النظام المظلم.
أود التأكيد أنه لا يوجد أي سبب حقيقي يدعو إلى النزاع بين إسرائيل وإيران وبين الشعب الإسرائيلي والشعب الإيراني. لا حدود مشتركة بيننا ولا تناقض جوهري بين مصالح شعبيْنا ، وقد عرفت علاقات البلدين في الماضي سنوات من الصداقة والتعاون وإنني أتمنى أن تعود هذه العلاقات تحت نظام [إيراني] آخر. إن نظام الخميني المتشدد في طهران هو الذي جعل إسرائيل هدفاً للكراهية الشديدة للغاية والتهديدات بالقضاء على إسرائيل والتشكيك في استمرار وجودها. إنه لنظام فاشل اختار سلوك طريق الكراهية وبث الرعب بين أبناء شعبه في مسعى لرص صفوف أجزاء الأمة الإيرانية المتشرذمة.
ولم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على استعداد النظام الإيراني للتراجع عن طموحاته الخطيرة التي تهدد استقرار الشرق الأوسط والسلام العالمي. وقد رصد الرئيس الإيراني حتى الآن الشروخ التي توحي بوهن الجبهة الدولية التي تواجهه وسعى لتوسيع هذه الشروخ من منطلق شعوره بأنه قادر على مواصلة طريقه ووضع العالم أجمع بعد وقت غير طويل أمام حقيقة مفروغ منها.
أود التأكيد سلفاً أن إسرائيل تملك القدرة على الدفاع عن نفسها لكن التهديد القادم من إيران لا يخص إسرائيل فحسب بل كل العالم الحر وكذلك الدول المعتدلة في الشرق الأوسط. لقد تمت إجراءات ملحوظة وهامة إزاء إيران على صعّد مختلفة منها الصعيدان الدبلوماسي والاقتصادي – المالي ، كما أن الأزمة الاقتصادية العالمية وانخفاض أسعار النفط من شأنهما زيادة الضغط الشديد على إيران. ورغم جميع النشاطات الهامة التي تجري حالياً إلا أنه لا يجوز للمجتمع الدولي أن يتخلى عن أي خيار ما لم يتم إحراز الهدف المتمثل بمنع تحول إيران إلى دولة ذات قدرة نووية. إن إسرائيل لا يسعها التسليم بواقع كهذا.
سيداتي وسادتي ، ثمة تهديد محدد خطير ومتفاقم ينطوي عليه استمرار المحور الممتد من طهران عبر دمشق إلى حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة. إذا ما أخرجنا من المعادلة قضية الملف النووي الإيراني ، فإن المشكلة الأشد خطورة مردها التهديد الصاروخي الذي يطال إسرائيل وجبتها الداخلية المدنية. إن سوريا وحزب الله تملكان ترسانة تضم عشرات الآلاف من الصواريخ فيما يوجد مخزون لا يُستهان به من الأسلحة منحنية المسار في قطاع غزة أيضاً. ويتم توجيه هذا المخزون الصاروخي الهائل إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية علماً بأنه لوحظ خلال الأشهر الأخيرة تقدم ذو مغزى في مدى استعداد الجبهة الداخلية الإسرائيلية للتعامل مع سيناريوهات الهجوم الصاروخي الذي يطالها ، حتى وإن لم توجد لدينا أي مؤشرات على احتمال وقوع هجوم كهذا في المستقبل المنظور.
لا شك لديّ قطعاً بأن جيش الدفاع سينتصر في أي مواجهة إذا ما نشبت – لا سمح الله – انتصاراً ساحقاً. إن أهليته للقتال وتأهبه وتفوقه النوعي والأخلاقي لهي أمور لا مراء فيها. وقد تمت دراسة ثم تطبيق العبر المستخلصة من حرب لبنان الثانية حيث أصبح جيش الدفاع أقوى وأشد استعداداً بصورة لا يمكن تصورها.
غير أن الانتصار في القتال ليس القضية الوحيدة التي تشغل بالنا ، بل إن السؤال الذي يجب أن يتحكم بأداء أي حكومة إسرائيلية وأي رئيس لها لا يدور حول كيفية ضمان انتصار جيش الدفاع في الحرب المقبلة بل – وبشكل جوهري – حول كيفية ضمان عدم نشوب هذه الحرب على الإطلاق ، علماً بأن كلا الأمرين متصلان ببعضهما البعض. إن منع الحرب يجب أن يكون الغاية القصوى لأي زعيم مسؤول يقود دولة إسرائيل ، ومن الواضح بمكان أن قوة جيش الدفاع وقدرته على دحر أي عدو تُعتبران عاملاً محورياً في قوة إسرائيل الرادعة.
غير أن الردع العسكري لا يكفي. إن الانتصار في الحرب مهما كان حاسماً لن يجنّب ثمنها الغالي والعصي على التحمل من حيث استهلاك الحياة البشرية للعسكريين والمدنيين والدمار الهائل والتكلفة الاقتصادية التي لا يمكن تحملها خاصة في عصر الصواريخ. إن ما تعرضنا له على نطاق صغير في حرب لبنان الثانية لا يمثل إلا عشر معشار ما قد يحدث في إطار مواجهة شاملة. وحري بنا ألا ننسى أننا كنا قد اعتمدنا ذات مرة – وتحديداً قبل 35 عاماً [يقصد حرب الغفران 1973] – على قوة جيش الدفاع الرادعة وحدها اعتقاداً منا بأنها ستحول دون نشوب الحرب ولم نقيّم بشكل لائق شدة ما دفع العدو لتغيير الوضع القائم والتوازن الإستراتيجي وإذابة الجمود السياسي ولو من خلال اللجوء إلى الحرب.
وبالتالي فإن الواجب المفروض على أي حكومة إسرائيلية هو مواكبة الردع العسكري بعملية سياسية جدية وحقيقية تحفز الأطراف المعنية على تجنب ثمن الحرب والتأكد من احتمال التوصل إلى حل توفيقي من خلال الجلوس إلى مائدة التفاوض وتسوية القضايا الخلافية ، إذ إن الحل سيكمن على كل حال – ومهما كانت الضربة العسكرية عنيفة وموجعة وقاضية – في المفاوضات. إن هذا الأمر يستوجب الاستعداد لتقديم التنازلات المؤلمة للغاية لكن المقابل الذي قد يتم الحصول عليه بالتفاوض – بمعنى منع الحرب وإنهاء النزاع وإرساء العلاقات السلمية – لا قيمة له.
إن الدولة المفصلية في المحور الممتد من طهران إلى حزب الله وحماس هي سوريا. وقد ارتبط النظام العلماني في سوريا بالنظام الحاكم في طهران بمقتضى المصالح والظروف الآنية وليس لأسباب عقائدية. إن سوريا لا تتوق إلى الانتماء إلى محور الشر بل لديها رغبة شديدة في الخروج من عزلتها السياسية والاقتصادية والارتباط بالغرب بما في ذلك ترميم علاقاتها مع الولايات المتحدة.
إن إخراج سوريا من محور الشر يمثل مصلحة إستراتيجية بالنسبة لدولة إسرائيل. إن تكوين دائرة من الدول المعتدلة حول إسرائيل تمتد من تركيا عبر سوريا والأردن وصولاً إلى مصر سيغير بشكل جذري من مكانة إسرائيل إقليمياً ومجمل علاقاتها مع العالم العربي وميزان القوة بين المعتدلين والمتشددين في الشرق الأوسط. كما أن قطع التواصل بين إيران وحزب الله سيضعف الأخير ويقلل من قدرته على إشعال نار الجبهة الشمالية.
إن المحادثات التي قررتُ إجراءها مع ممثلي الحكومة السورية بناءً على وساطة مُجدية للحكومة التركية لهي محادثات جوهرية وهامة ، وقد أثبتت وجود فرصة حقيقية للتقدم نحو تسوية سلمية ، كما أنها تمهد السبيل أمام التفاوض المباشر. إنني أرى أن مواصلة هذه المسيرة الحيوية تمثل مصلحة إسرائيلية عليا ذات مغزى إستراتيجي حرِج بالنسبة لأمن إسرائيل وموقعها الإقليمي وتعزيز نسيج قوى الاعتدال في المنطقة. سيداتي وسادتي ، إن اتفاقية السلام مع سوريا أصبحت في متناول اليد!!!
إن اتفاقية السلام مع سوريا ستنمح إسرائيل فوائد ذات مغزى: - إنها ستقلص من التهديد الكامن في نشوب حرب على الحدود الشمالية وتوفر أقصى درجة من الأمن لسكان شمال البلاد والجبهة الداخلية برمتها ؛ - إنها ستقطع الروابط الإستراتيجية بين دمشق وطهران ؛ - إنها ستؤدي إلى إبعاد قيادات حماس والجهاد الإسلامي من سوريا ؛ - إنها ستقضي على البؤر الإرهابية التي تهرّب المخربين المنتحرين والسيارات المفخخة إلى العراق ؛ - وإنها ستوقف نقل الأسلحة [الإيرانية] إلى حزب الله عبر سوريا.
إن إتفاقية السلام ستمنح فوائد ذات مغزى لسوريا أيضاً وهو أمر لا خلاف عليه. وهناك من يدعي (ولو بنبرة انتقاد موجهة تجاهنا) أن مجرد إجراء المفاوضات قد زاد من رصيد نقاط الاستحقاق التي تتمتع بها سوريا دون أن تدفع أي ثمن بالمقابل. غير أنني لا أجد أي غضاضة في هذا الأمر إذا ما ساهم في إنجاز السلام الحقيقي ويمكن اعتباره أدنى ثمن قابل للتسليف.
إنني أسمع بين حين وآخر كلاماً يطعن في شرعية عملية سلام ممكنة مع سوريا بسبب روابطها مع حماس وحزب الله وإيران وخشية استمرارها مستقبلاً أيضاً. ولكن من أجل وضع هذه القضايا تحديداً على محك الاختبار يجب محاورة سوريا. قد نصاب بخيبة أمل ويتضح أن سوريا ما زالت – حتى بعد 35 عاماً – تفضل الوضع القائم على إحداث التغيير الدراماتيكي في النظام الإقليمي وفي علاقاتها مع إسرائيل وعبرها مع العالم الغربي بأسره ، ولكن يا ترى كيف سنعلم ذلك إذا لم نحاول؟ وكيف سنحاول إذا لم نتهيأ للإقدام على أي مجازفة؟
إن منظومة العلاقات المميزة القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لهي أهم ذخر إستراتيجي يتعين على أي حكومة إسرائيلية تنميته وحمايته ما أمكن. وقد وضعت الحكومتان برئاسة أريئيل شارون ثم برئاستي قضية التنسيق السياسي وتنمية العلاقات الخاصة مع البيت الأبيض والإدارة الأميركية والكونغرس في واشنطن على رأس سلم الأولويات. وبالتالي شهدت السنوات الأخيرة تعزيزاً وتعميقاً للأواصر الوثيقة والحميمة بين البلدين على أعلى المستويات وتم إحراز إنجازات سياسية ذات قيمة عظمى. وقد أثبت الرئيس جورج بوش أنه صديق حقيقي لدولة إسرائيل والشعب اليهودي وأن مسألة صيانة أمن دولة إسرائيل تتصدر أولوياته.
وقد أسفرت الحوارات الحميمة التي أجريناها مع الرئيس بوش وممثليه عن إنجازات كثيرة ومنها: - صياغة ملامح حل النزاع مع الفلسطينيين على أساس الدولتين للشعبين ؛ - عدم السماح بتحول الدولة الفلسطينية المقرر إقامتها إلى دولة إرهابية وعدم وجود منظومة عسكرية لديها علماً بأن دولة فلسطينية ذات مؤسسات مستقرة ستسهم في الاستقرار الإقليمي وتزيد من أمن إسرائيل ؛ - الإقرار بضرورة أخذ الواقع الناشئ على الأرض بعين الاعتبار مما يعني أن تشمل حدود دولة إسرائيل الكتل الاستيطانية [في الضفة الغربية] ؛ - ضمان طابع دولة إسرائيل وتعريفها كدولة يهودية ورفض قاطع للمطلب بعودة اللاجئين [الفلسطينيين] إلى داخل حدود إسرائيل ؛ - وبالإضافة إلى ذلك كله: إلتزام أميركي بمنح إسرائيل مساعدات اقتصادية وأمنية بمبلغ يعادل 30 مليار دولار خلال العقد القادم ، والإقرار الكامل بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية ضد أي تهديد صاروخي أو آخر ، والتعاون الإستراتيجي والاستخباري العميق على صعيد محاربة الإرهاب ونبذ التنظيمات الإرهابية والدول المساندة للإرهاب ورفض شرعيتها فضلاً عن منح دعم قوي للنشاطات التي تقوم بها إسرائيل والإجراءات الضرورية التي تتخذها لإحباط الاعتداءات الإرهابية ضد مواطنيها.
خلاصة القول: إن العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة التي تقوم على القيم والمصالح المشتركة هي ذات قيمة لا أعلى منها لتكريس الأمن والاقتصاد والمكانة الدولية لدولة إسرائيل. وعلى الرغم من أن الجمهور الإسرائيلي ينظر إلى هذه العلاقات وكأنها أمر بديهي إلا أنها ليست كذلك بالضرورة بكل مقوماتها. إذ يخطئ من يعتقد بأن الإدارة الأميركية والكونغرس سيلبيان تلقائياً أي دعوة من إسرائيل بغض النظر عن السياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. لا أصدقاء لنا مثل الأميركيين لكن هذا الأمر لا يعفينا من واجب اتباع سياسة مسؤولة ومتوازنة تسعى للتوصل إلى تسويات سلمية مع جيراننا ولو بثمن التنازلات المؤلمة والمجازفات من جانبنا.
أما في الختام فأود التطرق إلى القضية الفلسطينية. لا تدعوني الحاجة لإقناع أي كان بأن القضية الفلسطينية لهي أشد القضايا صعوبة وتعقيداً لكن الحل في هذا المسار أيضاً قابل للتحقيق.
إن أرض إسرائيل كاملةً لهي وطننا التأريخي ونحن نحبها ونرتبط بجميع مناظرها ومعالمها قلباً وقالباً. كما أن أورشليم القدس وفي قلبها جبل البيت [بيت الله الحرام وفق العقيدة اليهودية] تقع في صميم فؤاد الشعب اليهودي على مر الأجيال وهي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان. كما أن جيراننا الفلسطينيين لديهم الرغبات والذكريات والمشاعر بالانتماء إلى قطعة الأرض هذه والمواقع الرئيسية فيها ، ولا يمكن تجاهل هذا الأمر والاعتقاد بأن الفلسطينيين سوف يتنازلون عنها بمجرد طرحنا عليهم حلولاً سحرية بديلة. وبالتالي فأصبح واضحاً لدى كل ذي بصيرة أنه يستحيل إيجاد حل سوى تقسيم البلاد ولن يتم إرساء السلام الحقيقي دون إيجاد حلول إبداعية للمعضلات الشائكة المختلفة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين وأورشليم القدس والقضايا الأمنية.
إن إسرائيل لا تريد ولا تستطيع أن تحكم شعباً آخر سواء من الناحية العملية أو من الناحية الأخلاقية. إن سنوات حكمنا لشعب آخر قد كلفتنا ثمناً باهظاً لا يمكن احتماله. وتشكل مظاهر العنف المتصاعدة شهراً بعد شهر التي تقدم عليها عناصر [يهودية يمينية] متشددة في يهودا والسامرة ضد جنود جيش الدفاع وأفراد شرطة إسرائيل وسلطات فرض القانون دليلاً على هذا الأمر. إن هذه الأعشاب الضارة ، التي تنامت على هامش المجتمع الإسرائيلي وأصبحت تلقي بظلالها على جمهور كامل [قاصداً المستوطنين] بصورة لا مبرر لها ، تهدد مستقبلنا وطابعنا كدولة يهودية ديمقراطية تصون القانون والأخلاق ، مما يحتم علينا اجتثاثها. كما أن الاستيطان اليهودي المتناثر الخارج عن نطاق الكتل الاستيطانية في يهودا والسامرة يؤدي إلى اختلاط السكان بشكل يصعب فكه علماً بأن التوازن الديمغرافي اليهودي العربي بين نهر الأردن والبحر المتوسط ليس ساكناً.
إن مشكلة التوازن الديمغرافي ليست "فزاعة" فحسب بل قنبلة موقوتة قابلة للتفجير تواجه دولة إسرائيل بإلحاح وتلقي بظلالها على مستقبلها. وقد أدرك ذلك أريئيل شارون مما حدا به إلى المبادرة إلى خطة الانفصال عن قطاع غزة. ولم تكن عملية الانفصال فاشلة كما يحاول البعض وصفها بل كانت خطوة أولى وذات أهمية لا مثيل لها لمنع الاختلاط السكاني غير القابل للانفصال في أرض إسرائيل حفاظاً على إسرائيل بصفتها دولة يهودية ديمقراطية. باختصار ، كانت خطة الانفصال خطوة ضرورية وحيوية.
هناك من يدعي بأن سيطرة حماس على قطاع غزة نتجت عن الانفصال وفاقمت من الأوضاع الأمنية للقرى المحيطة بقطاع غزة. غير أنني مقتنع بأنه لولا الانفصال لكان الوضع الأمني في جنوب البلاد أشد خطورة ، إذ كان عدد كبير من المواطنين الإسرائيليين – لو كانت الحالة كهذه - في مرمى القنابل اليدوية والزجاجات الحارقة التي كان سيلقيها سكان غزة مما كان سيجعل من تواجد عشرات الآلاف من الجنود في قلب القطاع أمراً لا مفر منه لحماية سكانه اليهود. إن ذاكرتنا قد تضعف أحياناً بعد فترة قصيرة لكن لا يجوز نسيان حقيقة تعرض مستوطنات غوش قطيف في فترة ما قبل الانفصال لهجمات يومية بالصواريخ وقذائف الهاون.
يجدر بإسرائيل أن تخطو باتجاه حل الدولتين للشعبين الآن طالما تمتع الأمر بدعم أميركي وإقليمي ودولي ، لا بل إن الضرورة تحتم عليها ذلك لأن الخيارات الأخرى هي كارثية بالنسبة لمستقبل دولة إسرائيل وصورتها وتُعد خيانة لأفضل قيمها المستنيرة والغايات الصهيونية العادلة.
يجب علينا أن نستفيق من الأوهام لندرك أن التنمية الاقتصادية كجزء عضوي من العملية السياسية التي تفضي إلى قيام دولة فلسطينية جارة وصديقة وقابلة للحياة – لهي بالطبع أمر حيوي ومرغوب فيه ، بيد أن الاستثمار الاقتصادي إذا ما جاء بديلاً عن المسيرة السياسية لا يعدو كونه ضرباً من الأوهام لا ينطوي على أي حل للنزاع. لا يوجد "سلام اقتصادي" بغياب سلام سياسي. قد تكون الكلمتان "سلام اقتصادي" شعاراً انتخابياً لكنهما لن ترقيا إلى مصف الخيارات الواقعية التي يمكن لإسرائيل طرحها بديلاً عن العملية السياسية التي لا مهرب منها.
وما بالكم أن يكون رئيس حركة بيتار [اليمينية] زئيف جابوتينسكي هو الذي قدم الجواب الشافي لهذا الوهم قبل 75 عاماً حيث كتب ما يلي: "إن دعاة السلام لدينا يحاولون إقناعنا بأن العرب أغبياء ويمكن خداعهم من خلال تلطيف أهدافنا أو أنهم عشيرة طمّاعة تستعد للتنازل عن حقوقها.. مقابل المزايا الثقافية أو الاقتصادية..". وقد نعت جابوتينسكي الاعتقاد بأن العرب القاطنين في أرض إسرائيل سيستعدون ل "بيع وطنيتهم مقابل شبكة سكك حديدية متطورة" بأنه ليس إلا "هلوسة طفولية".
سيداتي وسادتي ،
لقد استعرضت الاستنتاجات والمواقف التي توصلت إليها حول مبادئ حل النزاع بيننا وبين جيراننا قبل فترة وجيزة في سياق الخطاب الذي ألقيته بمناسبة ذكرى اغتيال رابين ولا أريد تكرارها الآن.
إنني أود في الختام التأكيد على أن أي حكومة إسرائيلية لا يكفيها صيانة المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل والحفاظ على التماسك الداخلي لأنها قد تجد نفسها – إذا لم تظهر المرونة وتقدم على المبادرة السياسية وتبدي الاستعداد لتقديم التنازلات المؤلمة وذات المغزى لتحقيق السلام مع الفلسطينيين والسوريين – محشورة في الزاوية وتتعرض لانتقادات دولية شديدة ومضرّة أمنياً واقتصادياً. إن الأجواء الدولية المريحة التي أحاطت بدولة إسرائيل من منطلق الصداقة واللطافة والدعم الدولي والاقتصادي منقطع النظير ليست أمراً بديهياً أو تلقائياً ، بل إنها ناتجة عن سياسة مسؤولة ومدروسة تولت الحكومتان برئاسة أريئيل شارون ورئاستي قيادتها. وقد تتغير هذه الأجواء بين لحظة وأخرى إذا لم نفقه ضرورة مواصلة السير على المسار المؤدي إلى السلام والمفاوضات السياسية الجدية التي تنطوي على تقديم تنازلات خطيرة كما نوهت بذلك أعلاه.
يتعين علينا جميعاً أن نتذكر أن عامل الوقت له أهمية حاسمة. كلما مر الوقت لم تصبح الحلول أسهل أو أبسط. آمل في أن تعرف الحكومة المقبلة كيفية قيادة سفينة دولة إسرائيل بصورة مسؤولة وحذرة وكذلك (مما لا يقل أهمية) على أساس الجرأة والرؤية البعيدة نحو بر السلام والأمن.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|