| رئيس الحكومة |
|
| | | حكومة اسرائيل |
|
| | | سكرتارية الحكومة |
|
| | | مكتب رئيس الحكومة |
|
| | | تأريخ |
|
| | | اتّصالات |
|
| | | مراجعات الجمهور |
|
| | | أرشيف |
|
| |  |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
 |
كلمة رئيس الوزراء في الكنيست خلال الجلسة الخاصة التي عقدتها لإحياء ذكرى ميلاد مؤسس الحركة الصهيونية بنيامين زئيف هرتصل |
|
|
|
|
|
|
|
|
إن إحياء أي ذكرى لميلاد هرتصل يمثل عيداً بالنسبة لنا جميعاً لكنني أتعاطف مع هذا العيد شخصياً كونني (شأني شأن الكثير منكم بالتأكيد) أستعجب كل مرة مجدداً من شخصية هرتصل ونشاطه حيث إنه كان بمثابة نبي عصره.
بودي هذا العام إضاءة جانب غير معروف لدى الجمهور – لا بل جانب يتعرض لمعتقدات خاطئة تعاكس واقع الأمور – بالنسبة لشخصية هرتصل. إذ إن الاعتقاد السائد هو أن هرتصل انحدر من أسرة انغمست في الثقافة غير اليهودية إلى حد القول إنه شخصياً كان من اليهود الذين كانوا في طريقهم للانخراط أيضاً في هذه الثقافة الأجنبية (إن لم يكن قد بلغ هذه المرحلة فعلاً) قبل أن يكون قد انتفض على هذه الهوية ثم اكتشف المفاهيم الصهيونية. أعترف لكم بأنني شخصياً كنتُ أسير هذه النظرية الخاطئة إلى أن طالعتُ الكتاب الذي وضعه مؤخراً الباحث يتسحاق فايس تحت عنوان "هرتصل – قراءة مختلفة". وعندها تبين لي أن العكس كان الصحيح بحيث انحدر هرتصل من عائلة ذات ثقافة يهودية راسخة. وكان بعض أفراد عائلته من أعضاء حركة "محبّي صهيون" [حركة استبقت الصهيونية التي أسسها هرتصل نفسه وكانت ذات عقيدة مشابهة] ؛ وكان والد هرتصل يهودياً من أنصار الثقافة العامة وأصحاب الآراء الحرة لكنه لم يتخلَّ قط عن التقاليد اليهودية الجوهرية وكان يرتاد الكنيس. وعندما انتقلت أسرة هرتصل للإقامة في المدينة الكبرى [فيينا] اعتاد والده على حجز المقاعد في الكنيس خلال فترات الأعياد اليهودية وكان كلاهما يذهب إلى الكنيس في تلك المناسبات. وقد روى هرتصل بنفسه أن أسرته تسلمت في فترة صباه قنينة نبيذ من إحدى المستوطنات اليهودية الوليدة في أرض إسرائيل الأمر الذي ترك فيه انطباعاً كبيراً لدرجة جعلته يكتب فيما بعد متسائلاً عما إذا كانت المعتقدات الصهيونية كلها تتلخص بتلك القنينة التي وردت إلى أسرته. كما أن هرتصل قد مارس شعيرة "البار ميتسفا" [من الشعائر اليهودية التقليدية حيث يتلو أي صبي بلغ 13 عاماً فصلاً من التوراة في الكنيس]. ولدى بلوغه 16 عاماً على ما أعتقد قرأ هرتصل عندما كان طالباً في المدرسة الثانوية مقالة لأحد المفكرين الاشد عداوة لليهود في ذلك العصر وهو المدعو (ديورينغ) حيث استهتر في مقالته بالشعب اليهودي مدعياً بأنه يمثل جنساً بشرياً متدنياً لا أهمية أو قدرات له. وعندها تصدى هرتصل الشاب لموقف (ديورينغ) وأكد عظمة الشعب اليهودي بدليل قدرته على الصمود والبقاء في أعاصير الزمان.
كانت هذه كلمات هرتصل المدَّعَى بأنه ابتعد وانفصل عن الثقافة اليهودية. كما أن هرتصل تزوج من سيدة يهودية. ولدى حضوره مؤتمر بازيل [المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية في هذه المدينة السويسرية عام 1897] كتب هرتصل عن تجربة دعوته لاعتلاء منصة الكنيس عند قراءة فصل من التوراة [خلال صلاة يوم السبت] ، وها أنني أستشهد بما كتبه هرتصل قبيل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول حيث قال: "احتراماً للدين ذهبت في ذلك السبت الذي سبق انعقاد المؤتمر إلى الكنيس. وقد دعاني رئيس الجالية اليهودية [في بازيل] إلى اعتلاء منصة الكنيس وعندما قمت بذلك شعرت بانفعال شديد أكثر مما راودني طيلة فترة المؤتمر" ثم أردف قائلاً: "إن الكلمات القليلة التي نطقت بها بالعبرية في تلك المناسبة الدينية قد جعلتني أكاد أختنق تأثراً أكثر مما شعرت به عند إلقاء الكلمتين الافتتاحية والختامية للمؤتمر أو عند إدارة مداولات المؤتمر".
أيها أعضاء الكنيست ، إن النقطة التي أريد تسليط الضوء عليها هنا هي كون هرتصل يملك هوية يهودية قوية وراسخة. كانت الثقافة اليهودية مغروسة عميقاً بداخله مما كان أصلاً السبب الذي دفعه إلى تكريس جل اهتمامه لمصير شعبه ، فيما كانت عقيدته الصهيونية مغروسة عميقاً في الوعي اليهودي واستمدت الكثير من التراث اليهودي. وبالمناسبة كان هذا الأمر هو سبب ملاقاة العقيدة التي نشرها القبول الشديد ليس في المحافل الجامعية والثقافية اليهودية في أوروبا الغربية فحسب بل – وبقوة ملفتة – داخل البلدات والمعاهد الدينية اليهودية التقليدية. إن الفكرة الصهيونية قد جمعت مجدداً كلمة اليهود المثقفين الأحرار واليهود المحافظين الملتزمين بالدين والتقاليد. وقد عرَّف هرتصل عملية تأهيل الشعب اليهودي بأنها عودة إلى اليهودية حسب مسمياته. إنه قال هذا الأمر خلال المؤتمر الصهيوني الأول في بازيل حيث أشار إلى أن الصهيونية هي العودة إلى اليهودية التي تسبق العودة إلى الوطن اليهودي. ترى ماذا قصد باليهودية؟ إنه قصد الهوية الجمعية التي تمتزج فيها مقومات القومية والدين والتراث الثقافي. صحيح أنه لم يكن ملتزماً بالشريعة اليهودية حسب مفاهيمنا الحالية لكنني أود التأكيد على أنه أدرك الهوية اليهودية بكافة عناصرها. لم يكن هذا الأمر غريباً عليه بل كان جزءاً ضرورياً ومتكاملاً في الصهيونية كما صاغها هرتصل.
وبالتالي لم يعتبر هرتصل دولة اليهود التي سعى لإقامتها مجرد ملجأ يحتمي فيه أبناء كتلة بشرية معينة بل كانت ستلبي احتياجات دولة قومية للشعب اليهودي وللثقافة اليهودية وللهوية اليهودية التي أراد هرتصل إنعاشها في إطار دولة سيادية للشعب اليهودي. ومن هنا يطرح السؤال نفسه – وأعجز حالياً عن الإجابة عليه – عن كيفية نشوء صورة هرتصل بصفة شخص منغمس في الثقافة غير اليهودية؟ أفترض – من غير يقين – أن تكون هذه الصورة قد انطلقت من رافديْن اثنين: كان أولهما هو قول هرتصل في إحدى المناسبات وقبل إطلاقه دعوته لإقامة الدولة اليهودية ، وانطلاقاً من القلق الشديد الذي شعر به إزاء امتداد اللاسامية واحتمال خراب يهود أوروبا ، إنه يمكن لليهود أن يتنصّروا لإنقاذ أنفسهم علماً بأنه أدلى بهذا الكلام كمجرد ملاحظة جانبية لا غير ومن ثم سارع إلى نفي هذه الفكرة وقال إن فكرة اعتناق المسيحية لم تكن لتخطر له على البال على الإطلاق ، إلا أن كلامه قد سُجل ، وتستطيعون – لا سيما كونكم من الشخصيات العامة – أن تفهموا صعوبة سحب الكلمة التي قيلت ، وقد تكون هذه الحادثة أحد رافدَي هذا التصور الخاطئ عن شخصية هرتصل.
أما الرافد الثاني فكان بالطبع قضية أوغندا [بمعنى الخطة التي طرحها هرتصل في إحدى المراحل لإقامة الدولة اليهودية في منطقة كانت تخضع للسيطرة البريطانية في شرق إفريقيا]. غير أن هرتصل لم يعتبر أوغندا أيضاً إلا ملجأ ليلياً دون أن يتخلى قط عن فكرة أرض إسرائيل علماً بأنه تراجع عن دعمه لهذه الخطة فيما بعد. وقد رصد هرتصل بوضوح انتشار معاداة اليهود واستحالة التصدي لها مما جعله يقول إن الظروف القائمة لا تسمح بوقف امتداد الحريق الذي من شأنه أن يأتي على جميع يهود أوروبا ، الأمر الذي يحتم على اليهود مغادرتها ، وإذا كان أمر إقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل من قبيل المستحيل فيجب إقامتها أولاً في أوغندا. بيد أن هرتصل لم ينكر هويته اليهودية والقومية اليهودية بل إنه ظن في نهاية الأمر – وقد قال ذلك بالفعل – أن الحل الوحيد القادر على ضمان مستقبل الشعب اليهودي هو إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وقد أدلى هرتصل خلال ذلك الجدل العظيم الذي جرى في المؤتمر الصهيوني السادس حول مشروع أوغندا بكلماته الخالدة وباللغة العبرية: "إذا ما نسيتك أيتها أورشليم فستصبح يدي اليمنى طي النسيان".
صحيح القول إن هرتصل اعتقد بأن معاداة اليهود سوف تنحسر لتُطبَّع العلاقات بين اليهود وغير اليهود بعد قيام الدولة اليهودية ، لكن يجب إدراك حقيقة تصور هرتصل نشوء دولة يهودية يبلغ عدد سكانها 8 أو 10 أو 12 مليون يهودي (مما يعني أن عدد اليهود في البلاد كان سيبلغ الآن أكثر من 50 مليون نسمة..) أي أن تكون دولة إسرائيل قوية وثابتة لدرجة اعتقاد أعدائها بأنه يستحيل تماماً تصور القضاء عليها مما كان – حسب ما رآه هرتصل – سيؤدي إلى زوال معاداة اليهود بشكل عملي.
لا يسعني تصور ما كان سيجري لو ظل هذا الرجل على قيد الحياة فترة أخرى. أعتقد بأن إحدى المصائب التي حلت بالشعب اليهودي كان مردها قصر عمره. إنه باشر عمله عندما كان في السادسة أو السابعة والثلاثين من العمر ثم توفي في الرابعة والأربعين من العمر (علماً بأن متوسط عمر نواب الكنيست – حسب معطيات جمعها مساعدي – يبلغ 53 عاماً..). لقد صنع هرتصل المعجزات وكانت خطته الكبرى تقضي بإقامة دولة اليهود عند الانهيار المحتوم للإمبراطورية العثمانية. ولو تمكن هرتصل من تحقيق خطة إقامة الدولة – لو ظل حياً فترة أخرى – لكانت دون شك فرص تحقيق النجاح كبيرة جداً مما كان سيجعل التأريخ اليهودي يسير في اتجاه آخر وفق هذه الفرضية.
على كلٍ فإنني على يقين من أمر واحد وهو أن تشخيص هرتصل للمشكلة والحل الذي طرحه لها كانا صحيحيْن تماماً ، بمعنى أن السبيل الوحيد لضمان وجود الشعب اليهودي هو قيام دولة قومية للشعب اليهودي تتمتع بالاستقلال والسيادة هنا في أرض إسرائيل وتقوى بهويتها وثقافتها على الدفاع عن نفسها وضمان المستقبل اليهودي. وكان هذا بالفعل أصل العقيدة الصهيونية وظل هكذا. وبالتالي فإن كل من يرفض الاعتراف بحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره وإقامة دولته القومية المعترف بها ، كل من لا يشعر بالصلة العميقة بين الشعب اليهودي وأرضه ويحترمها – فإنه لا يحترم حقيقة الحقوق المشروعة للشعب اليهودي ، ولذلك فإن الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي يشكل أساساً لا بد منه لإحلال السلام الحقيقي بيننا وبين جيراننا الفلسطينيين.
أيها أعضاء الكنيست ، إن صورة هرتصل معلَّقة نصب أعيننا في أحد حيطان الكنيست وهي المقر الذي يرمز إلى سيادتنا وحريتنا. إنني أجد نفسي مرغماً على القول في ذكرى ميلاد هرتصل هذه إن هرتصل قد انتصر حتى وإن كان مصيره يشبه مصير سيدنا موسى الذي قاد شعبه إلى أرض الميعاد دون أن ينعم بالعيش فيها (رغم أن هرتصل قد زار البلاد..). ها نحن هنا عائشون ، نحن الذين جئنا من أكثر من مئة بلد والذين نتحدث بأكثر من ثمانين لغة لكننا أعدْنا مجد الثقافة واللغة العبرية القديمة في أرض الآباء والأجداد وجدَّدنا مفهوم اليهودية بعودتنا إلى أرض اليهود. لقد تحققت رؤيا هرتصل وأصبحت واقعاً يسمو عن أي خيال. لقد انتصرت الصهيونية رغم ضآلة الفرص التي أتيحت لها ، وقد تحقق هذا النصر كونها قد انطلقت من عظمة فكرة سامية ولائقة أو بالأحرى إنها انتصرت لأنها ستظل حية بيننا تمشياً مع وصية بنيامين زئيف هرتصل ورؤياه.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|